جائزة نوبل أهم جائزة علمية في عدد من المجالات، وتُعَد أعلى تكريم يمكن أن يحصل عليه عالم أو أديب أو سياسي، حتى أن بعض الثقافات تعتبرها مؤشرًا على تقدم دولة ما. قد تغيِّر جائزة نوبل حياة عالِم للأبد؛ فبعد حصول أحد العلماء عليها تتم دعوته لإجراء مقابلات والمشاركة في ندوات، وقد يُسلَّط عليه الضوء عالميًا بعد سنوات من الإهمال، باستثناء اهتمام بعض المتخصصين المعدودين بمجاله أو مجال قريب منه.
هناك أيضًا ظاهرة متكررة، إذ إن كثيرًا من العلماء الحاصلين على نوبل أصبحوا داعمين شرسين لممارسات أو مفاهيم غير علمية تتنافى في الأساس مع سبب حصولهم على الجائزة المرموقة، ألا وهو: المساهمة في تطور العلم. فماذا حدث لهؤلاء الباحثين الناقدين أصحاب الفكر العلمي؟! وكيف انتهى بهم المطاف إلى الترويج للخرافة والكذب والعلم الزائف؟!
«مرض نوبل» (Nobel Disease)
يطلق بعض العلماء على هذه الظاهرة اسم «مرض نوبل» أو «نوبلايتس» (Nobelitis)، ويُعرِّفونه على أنه ميل بعض الحاصلين على نوبل إلى الإيمان بأنهم قادرون على فعل أمور لم يكونوا قادرين على فعلها مسبقًا، والتحدث في علوم خارج تخصصاتهم.
يُلاحَظ أن أغلب الحاصلين على نوبل يكونون في العقد السادس أو السابع من أعمارهم، وأن أغلبهم قد تجاوزوا فترة العطاء العلمي، وربما لم يواكبوا بعض التطورات في المجالات الأخرى. لكن الاهتمام المفاجئ بعد الحصول على الجائزة قد يغير طريقة تفكيرهم.
فيتامين سي: العلاج السحري لكل الأمراض
من أبرز الأمثلة على هذه الظاهرة هو «لينوس باولينغ» (Linus Pauling) الحاصل على جائزتي نوبل: إحداهما في الكيمياء عام 1954 لمساهمته في فهم الروابط الكيميائية، والأخرى في السلام عام 1962 لنشاطه في مجال الدعوة للسلام.
في عمر الأربعين، تم تشخيص باولينغ بـ«مرض برايت» (Bright’s Disease)، وهو مرض يسبب التهابًا مزمنًا في الكلى. وللتعامل مع مرضه، تبنَّى باولينغ نظامًا غذائيًا منخفض البروتين وخاليًا من الملح، بالإضافة إلى تناول الفيتامينات، ونُسِب تحسُّنه إلى تناول المكملات.
زعم باولينغ لاحقًا أن تناول 1000 ملغ من فيتامين سي يوميًا يمكن أن يقلل من الإصابة بنزلات البرد بنسبة 45%. ووفقًا للتقارير، كان باولينغ يستهلك ما لا يقل عن 12,000 ملغ من فيتامين سي يوميًا، وهو ما يتجاوز بكثير الجرعة اليومية الموصى بها.
زعم باولينغ أن دور فيتامين سي كمضاد للأكسدة قد يكون السبب في تأثيراته الإيجابية، حيث أظهرت دراسات -أجراها مع الطبيب النفسي «إيوان كاميرون» (Ewan Cameron) في السبعينيات والثمانينيات- أن الجرعات
الكبيرة جدًا من فيتامين سي قد تساعد في إطالة حياة مرضى السرطان في مراحله النهائية. ولكن بسبب افتقاره للخبرة في تصميم الأبحاث الإكلينيكية، كانت أبحاثه غير مفيدة. علاوة على ذلك، أوضحت بعض الأبحاث أن الفائض من فيتامين سي يُفرَز عبر البول، وعليه فهو لا يقدم إلا قيمة علاجية ضئيلة.
تبنى باولينغ أيضًا فرضية تحسُّن درجات الطلاب بعد شربهم لعصير البرتقال لعدة أشهر. وفي مقال نُشِر في مجلة «ساينس» (Science) عام 1968، جادل بأن الجرعات الكبيرة جدًا من فيتامين سي فعّالة في علاج «الفصام» (Schizophrenia). ومع ذلك، أظهرت الدراسات المحكمة دعمًا ضئيلًا لهذه الفرضية.
أصحاب البشرة السمراء أقل ذكاءً وأكثر شهوة!
حصل «ويليام شوكلي» (William Shockley) -أحد المشاركين في اختراع الترانزستور- على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1956. لكنه في سنوات لاحقة، وبالرغم من افتقاره التام لأي معرفة في علم الوراثة، حاول استخدام هذا المجال لدعم علم زائف معروف باسم «تحسين النسل» (Eugenics).
حذر شوكلي مما سماه «التطور الرجعي»، وهو مفهوم ينص على أن السود يتكاثرون بمعدل أسرع من البيض الذين كان يعتبرهم «متفوقين فكريًا». وشملت «الحلول» التي اقترحها إعطاء حوافز مالية للأفراد الذين وصفهم بـ«المضرين وراثيًا» ليوافقوا على تعقيم أنفسهم.
حدث أمر مشابه مع «جيمس واتسون» (James Watson)، الحائز على جائزة نوبل عام 1962 لاكتشافه المشترك لبنية الحمض النووي مع السير «فرانسيس كريك» (Francis Crick). صرَّح واتسون بشكل قاطع بأن السود أقل ذكاءً بطبيعتهم مقارنة بالبيض. كما أشار إلى أن الأشخاص الذين يعانون من البدانة أقل طموحًا مقارنة بالآخرين، وأن التعرض لأشعة الشمس في المناطق الاستوائية يزيد من الرغبات الجنسية، وأن أصحاب البشرة الداكنة لديهم دافع جنسي أقوى من أصحاب البشرة الفاتحة بسبب ارتفاع مستويات الميلانين لديهم.
كثير من هذه الادعاءات ليس عليه دليل علمي واضح، ويستند إلى دوافع عنصرية وانحيازات مسبقة، وقد استخدمها البعض كمحاولة للتقليل من حقوق أصحاب البشرة السمراء.
المصادر
Diamandis, Eleftherios P. “Nobelitis: a common disease among Nobel laureates?.” Clinical chemistry and laboratory medicine vol. 51,8 (2013): 1573-4. doi:10.1515/cclm-2013-0273
Strauss, Nobel Laureates Who Were Not Always Noble, Racists, frauds, and misogynists: Meet the rogues’ gallery of Nobel Prize winners ,National Geographic website.https://www.nationalgeographic.com/science/article/151005-nobel-laureates-forget-racist-sexist-science
Basterfield, Candice; Lilienfeld, Scott; Bowes, Shauna; Costello, Thomas (May–June 2020). “The Nobel disease: When intelligence fails to protect against irrationality”. Skeptical Inquirer. Vol. 44, no. 3. pp. 32–37. ISSN 0194-6730