قوى الذكاء الاصطناعي: الصين، وادي السيليكون، والنظام العالمي الجديد

في عالم يشهد ثورة كبيرة في الذكاء الاصطناعي، تتسارع المنافسة بين الدول، خاصة بين الصين والولايات المتحدة. مع دخول نموذج «ديب سيك» (DeepSeek) الصيني إلى ساحة الذكاء الاصطناعي، فضلًا عن تزايد التنافس في قطاع السيارات الكهربائية بين الدولتين، يبرز سؤال جوهري: كيف استطاعت الصين أن تصبح قوة عظمى في الذكاء الاصطناعي؟ وكيف يمكن مقارنتها بالولايات المتحدة في هذا المجال؟

هذه الأسئلة وأكثر يتناولها الدكتور «كاي فو لي» (Kai-Fu Lee)  في كتابه «قوى الذكاء الاصطناعي: الصين، ووادي السيليكون، والنظام العالمي الجديد» (AI Superpowers: China, Silicon Valley, and the New World Order). رغم أن الكتاب صدر عام 2018، لا يزال يحتفظ بقيمته ويقدم رؤية واسعة حول الذكاء الاصطناعي.

الكتاب لا يقتصر فقط على الذكاء الاصطناعي التوليدي، كـ «المحولات التوليدية مُسبَقة التدريب» (Generative Pre-trained Transformers, GPT) مثل «تشات جي بي تي» (ChatGPT) وديب سيك، الذي لم يكن له مثل هذا الزخم في عام 2018، لكنه يتناول المفهوم الأشمل لهذا المجال، ويعرض كيفية تطور الذكاء الاصطناعي في الصين وتأثيره على الاقتصاد والوظائف في العالم. لكن أولًا، من هو مؤلف الكتاب كاي فو لي؟

كاي فو لي هو عالم كمبيوتر تايواني أمريكي ورائد أعمال ومستثمر في مجال الذكاء الاصطناعي، حصل على درجة البكالوريوس في علوم الكمبيوتر من جامعة كولومبيا ثم أكمل دراسة الدكتوراة في علوم الكمبيوتر في جامعة كارنيغي ميلون الأمريكية. شغل دكتور لي مناصب قيادية في شركات تقنية كبرى مثل آبل، ومايكروسوفت، وجوجل، إذ كان رئيسًا لجوجل الصين، كما كان المدير المؤسس لمايكروسوفت للأبحاث في آسيا، وساهم في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي. بعد مغادرته جوجل، أسس شركة « سينوفيشن فينتشرز» (Sinovation Ventures)، وهي شركة رأس مال مغامر تدير ما قيمته 1.7 مليار دولار وتركز على دعم الشركات الصينية الناشئة في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

الكتاب يحتوي على 261 صفحة تقع بين 9 فصول مختلفة؛ يبدأها في الفصل الأول باللحظة التي فتحت أعين الصينيين والحكومة الصينية في عام 2017 على هذا المجال الحيوي، وهي حين واجه اللاعب الصيني «كي جيه» (Ke Jie)، المصنف الأول عالميًا في لعبة «غو» (Go)، الذكاء الاصطناعي «ألفا غو» (AlphaGo) في مباراة من ثلاث جولات خلال «قمة مستقبل غو» في ووجين بالصين. كانت هذه المباراة لحظة تاريخية في عالم الذكاء الاصطناعي، إذ أظهرت قدرة الذكاء الاصطناعي في التفوق على أفضل اللاعبين البشريين في واحدة من أكثر الألعاب تعقيدًا في العالم. فضلًا عن تعقيد اللعبة، فإن لها أهمية ثقافية وتاريخية كبيرة في الصين، إذ يعود تاريخها إلى أكثر من 4000 عام، وكانت تُعرَف بأنها واحدة من «الفنون الأربعة» التي يجب أن يتقنها المثقفون الصينيون القدماء.

بعد هذه المواجهة، بدأت الحكومة الصينية في وضع الخطط وضخ الأموال في هذا القطاع الجديد، كما شجعت المستثمرين على الاستثمار في هذا المجال الحيوي. بنهاية عام 2017، بلغت الاستثمارات الصينية 48% من الاستثمارات العالمية في هذا القطاع في وقته، حسب المؤلف. يوضح دكتور لي في فصل لاحق أن هذا كان له تأثيره الكبير أيضًا على المقاطعات والمسؤولين المحليين بدورهم وحثهم على إنشاء مسرعات الأعمال والحاضنات التكنولوجية المختلفة، فضلًا عن المنافسة بين المدن والمقاطعات الصينية المختلفة في تشجيع وتوجيه الاستثمارات في هذا القطاع.

 لاحقًا يوضح لي كيفية تطور تكنولوجيا المعلومات والإنترنت في الصين، كما يشرح أيضًا الفارق في ريادة الأعمال بين الولايات المتحدة والصين وكيفية ارتباط ذلك بالخلفية الثقافية لرواد الأعمال، إذ يوضح أن رائد الأعمال الصيني يركز على السوق وكيف يغنمه فلا يهمه كيف يفعل ذلك، ومن صاحب الفكرة، أو الشهرة أو غيرها، كل ما يهم هو تنفيذ الفكرة الملائمة للسوق والوصول إلى الثراء. ينتقل من هذه النقطة الخاصة بالإنترنت ليوضح بعض الشخصيات والشركات التكنولوجية البارزة والكبيرة في السوق الصيني مثل: «بايدو» (Baidu) و«علي بابا» (Alibaba) و« تينسنت» (Tencent)، التي استطاعت توفير بدائل للتكنولوجيا الأمريكية في السوق الصيني!

عندما يأتي الأمر للذكاء الاصطناعي، فإن المؤلف يري أن العصر القادم للصين؛ وجدليته في هذا أن العصر الحالي للذكاء الاصطناعي هو عصر التطبيق في هذا المجال؛ أي تطبيق النظريات العلمية وليس اكتشافها وتحقيق اختراقات علمية، وإن كان هذا هو الحال فإن الصين، باستحواذها على مستودع مهول من البيانات التي جمعتها عبر السنين فضلًا عن العدد الكبير لمهندسيها، تُعَد مؤهلة لأن تقود العالم في هذا المجال.

في فصلين لاحقين في منتصف الكتاب يقارن دكتور لي بين الولايات المتحدة والصين من حيث اهتمام كليهما بالمجال والدعم الحكومي والخبرات البشرية الموجودة في كلا البلدين، وكيف أتت الصين من الخلف ولكن بخطى متسارعة، كما شرح المؤلف الذكاء الاصطناعي وقسمه لأربع موجات كما يراها من حيث الاستخدام، وهي:

  1. الذكاء الاصطناعي عبر الإنترنت: تعتمد هذه الموجة على البيانات الضخمة المستمدة من مستخدمي الإنترنت لتحسين التوصيات وتجربة المستخدم. تشمل الأمثلة: محركات البحث، وخوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي، ومنصات التجارة الإلكترونية التي تقترح المنتجات بناءً على سجل التصفح.
  2. ذكاء الأعمال: يتم استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات المنظمة داخل قطاع الأعمال والشركات مثل التمويل والرعاية الصحية والتصنيع. تستفيد الشركات من الذكاء الاصطناعي لتحسين العمليات، واكتشاف الاحتيال، واتخاذ قرارات أكثر دقة. على سبيل المثال: تستخدم البنوك الذكاء الاصطناعي لتقييم الجدارة الائتمانية، وتستخدم المستشفيات الذكاء الاصطناعي في تشخيص الأمراض.
  3. الذكاء الاصطناعي الإدراكي: يدمج الذكاء الاصطناعي بالعالم المادي من خلال أجهزة الاستشعار والكاميرات وتقنيات التعرف على الصوت. تشمل هذه الفئة تقنيات مثل التعرف على الوجه، والمساعدين الأذكياء مثل «سيري» (Siri) و«أليكسا» (Alexa). 
  4. الذكاء الاصطناعي المستقل: هذه الموجة هي الأكثر تطورًا، إذ تعمل الأنظمة الذكية بشكل مستقل وتتخذ قرارات معقدة دون تدخل بشري. تشمل هذه الفئة السيارات ذاتية القيادة، والروبوتات، والتطبيقات الذكية المؤتمتة في قطاعات مثل النقل والخدمات اللوجستية.

كما يقدم الدكتور لي مقارنة حسب تصوره بين الولايات المتحدة والصين، التي -في نهاية المطاف- تتقدم فيها الصين في قطاعَي الذكاء الاصطناعي عبر الإنترنت والذكاء الاصطناعي الإدراكي، بينما تتقدم الولايات المتحدة في ذكاء الأعمال، ويتعادلان في الذكاء الاصطناعي المستقل.

في الفصول التالية يناقش دكتور لي تبعات استخدام الذكاء الاصطناعي، وهل هو خير مطلق أم شر مطلق، وما الأزمة الحقيقية كما يراها، إذ يعتقد أن الأزمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي ليست في أي الدولتين ستتفوق في هذا المجال، بل في الاضطراب الكبير الذي سيحدث في سوق العمل بسبب الأتمتة. فهو يُحذِّر من أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى استبدال قطاعات كاملة من الوظائف، مما سيؤدي إلى تحولات اقتصادية واجتماعية ضخمة. لكن ما هو أخطر من فقدان الوظائف، وفقًا له، هو الأزمة النفسية التي ستواجهها المجتمعات؛ إذ سيحتاج الناس إلى إعادة تعريف معنى العمل والقيمة الشخصية في عالم تكون فيه الآلات قادرة على أداء عديد من المهام بكفاءة تفوق البشر، ويؤكد أن على المجتمعات أن تستعد لهذه التغيرات من خلال تطوير نماذج اقتصادية جديدة وضمان أن يكون تطوير الذكاء الاصطناعي متمركزًا حول الإنسان.

في الفصول الأخيرة يتناول الدكتور لي رحلته مع مرض السرطان وكيف غيرت منظوره للحياة، ثم أتبعها بشرح لنماذج عمل متعددة من وجهات نظر مختلفة لكيفية إمكانية وجود الإنسان مع الآلة، ثم طرح في النهاية رؤيته الخاصة حول كيفية وجودهما معًا وكيف يكمل بعضهما بعضًا.

وفي النهاية صديقي القارئ، إذا كنت ترغب في فهم كيفية تحول الصين إلى قوة رائدة في الذكاء الاصطناعي، وكيفية تشكل مستقبل هذه التقنية وتأثيرها على العالم، فإن هذا الكتاب سيأخذك في رحلة شيقة بين وادي السيليكون وبكين. إنه كتاب لا يُفوَّت لكل من يسعى لاستكشاف مستقبل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وكيف تعيد تشكيل حياتنا واقتصاداتنا!


المصادر:

Superpowers: China, Silicon Valley, and the New World Order

اظهر المزيد

سامي فاضل

مهندس كهرباء ومهتم بالمعرفة العامة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى