
التكنولوجيا الحيوية البيئية ومستقبل كوكبنا الأزرق
مقدمة
على مدار القرن الماضي شهدت البشرية نموًا هائلًا في جميع مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والعلمية. يوفر هذا الازدهار حياة مريحة مليئة بالتسهيلات، وقد دفعت البشرية مقابل هذا الازدهار ثمنًا باهظًا وكانت البيئة هي الضحية الكبرى لهذا التقدم، فالسعي الدائم نحو توفير حياة أكثر رفاهية تسبب في نشوء ظواهر أثرت في التوازن البيئي، مثل الزيادة السكانية والتوسع الهائل في الصناعة والتحضر وبناء المدن؛ كانت جميعها أسبابًا لقطع الغابات واستغلال الأراضي الزراعية وانتشار الملوثات والمواد السامة في الهواء والتربة، وأيضًا الماء.
تساهم الطبيعة بذاتها في مواجهة التلوث، ولكن بوتيرة بطيئة للغاية، وعلى الرغم من وجود عديد من الأساليب الفيزيائية والكيميائية التي تُستخدَم لمواجهة التلوث وغيرها من المشكلات البيئية، فإن هناك عديد من العيوب لهذه السبل تجعلها غير صديقة للبيئة؛ لذلك تتجه جميع الأفكار لاستخدام الأنظمة الحيوية أو أجزاء منها لحل المشكلات البيئية مثل التلوث وبعض القضايا الأخرى مثل إنتاج الطاقة والكشف عن السموم وغيرها. يُعرَف هذا التوجه البحثي بـ «التكنولوجيا الحيوية البيئية» (Environmental Biotechnology).
التكنولوجيا الحيوية
تم صياغة مصطلح «التكنولوجيا الحيوية» (Biotechnology) لأول مرة على يد العالم المجري «كارل إيريكي» (Karl Ereky) عام 1919. تُعرَف التكنولوجيا الحيوية على أنها المنهج الذي يستخدم الكائنات الحية أو الجزيئات الحيوية لصناعة منتجات وتطوير طرق لحل مشكلات مجال معين. على هذا المنوال يُطلَق على التخصص، الذي يستخدم الكائنات الحية أو الجزيئات الحيوية لحل المشكلات البيئة، اسم «التكنولوجيا الحيوية البيئية».
البيئة هي التفاعل بين «العوامل الحيوية» (Biotic Factors) و«العوامل غير الحيوية» (Abiotic Factors)، إذ يضمن هذا التفاعل توفير ظروف ملائمة تُمكِّن الكائنات الحية من الاستمرار على قيد الحياة. يمتلك كل نظام بيئي مصفوفة من الخصائص الناتجة من هذا التفاعل، وأي خلل في هذه الخصائص يهدد بقاء الكائنات الحية في هذا النظام.
بعض المشكلات التي تعاني منها الأرض
يعد التلوث من أكبر المشكلات التي تواجه البيئة، ويُقصَد به وجود مواد غير مرغوبة في النظام تؤثر سلبًا على الكائنات الموجودة به. على سبيل المثال وجود مركبات، مثل مركبات الكلوروفلوروكربون (Chlorofluorocarbons) والمواد المؤكسدة في الهواء، يسبب أمراضًا مرتبطة بالتنفس مثل فشل الجهاز التنفسي وبعض الأمراض المرتبطة بالقلب. المبيدات الحشرية كذلك من أخطر الملوثات الموجودة في التربة والبيئة المائية، إذ تسبب هذه المواد السرطان وتلفًا في الجهاز العصبي وأمراضًا في القلب ومشكلات تنفسية وغيرها.
يعد الاحتباس الحراري من أكبر مشكلات البيئة في عصرنا الحالي أيضًا، ويشير هذا المصطلح إلى الارتفاع التدريجي في درجات حرارة كوكب الأرض بسبب زيادة الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي، مثل ثاني أكسيد الكربون.
نستمر في عرض المشكلات الخاصة بالبيئة مع مشكلة «فقدان التنوع الحيوي» (Loss of Biodiversity)، وهي أخطر ما يمكن أن يواجه كوكبنا الأزرق. تحتوي البيئة التي نعيش فيها على عديد من الأنواع المختلفة من الكائنات الحية في البيئات البحرية والنهرية والأرضية. يضم علم البيئة مصطلح «الحيز البيئي» (Ecological Niche) الذي يصف الظروف الضرورية التي تضمن للنوع أن يزدهر ويؤدي وظيفته في البيئة التي يعيش فيها. لانقراض الأنواع المختلفة أسباب عديدة، منها خلل الحيز البيئي الخاص بالنوع، ويسبب انقراض الأنواع المختلفة عدم استقرار في النظام البيئي على الكوكب.
تقنيات حيوية تنقذ الكوكب
الإصحاح الحيوي
«الإصحاح الحيوي» (Bioremediation) هو استخدام الكائنات الحية -وخاصة الكائنات الحية الدقيقة- في تحليل الملوثات أو التقليل من سميتها. تستخدم الكائنات الدقيقة عديدًا من الآليات مثل تفاعلات الأكسدة والاختزال بواسطة الإنزيمات.
الطاقة الحيوية
من خلال هذه التقنية يتم إنتاج طاقة متجددة من مواد عضوية. يمكن إنتاج عدة صور من الطاقة مثل الطاقة الحرارية أو الكهرباء أو الوقود الحيوي وذلك من مصادر عضوية مثل المخلفات الزراعية. تستبدل هذه الطريقة السبل إنتاج الطاقة من الوقود الأحفوري التي تسبب مشكلة للبيئة، غير أنها ذات تكلفة اقتصادية كبيرة. نُشِر بحث في مجلة «نيتشر كوميونيكيشن» (Nature Communication) عام 2024 يتحدث عن بناء «مفاعل حيوي» (Bioreactor) على النطاق التجريبي الأقرب للصناعي. يتم من خلال هذا المفاعل إنتاج الهيدروجين عن طريق عملية التخمر بواسطة البكتيريا، وعملية التخمر هي تحويل المواد السكرية إلى أحماض عضوية وهيدروجين.
المجسات الحيوية
«المجسات الحيوية» (Biosensors) هي أجهزة تحليلية تعتمد على العناصر الحيوية كمستشعرات للكشف عن مركبات أخرى في العينة، كالملوثات في السياق البيئي. في ورقة بحثية نُشرَت عام 2005 في دورية «إليكتروأناليسيس» (Electroanalysis)، قام الفريق ببناء مستشعر حيوي يعتمد على إنزيم «الأسيتيل كولين إستيريز» (Acetyl Choline Esterase) للكشف عن مركبات الفوسفور العضوية، وهي مبيدات حشرية تُستخدَم في نطاق واسع في الزراعة ولكنها تسبب أضرارًا جسيمة للجهاز العصبي. يمكن استخدام المستشعر للتعرف على تركيز هذه المواد السامة في البيئة الأرضية والمائية.
خاتمة
العالم في عصرنا الحالي مُساق بالتكنولوجيا، وفهم القواعد الأساسية واستخدامها في بناء تقنيات جديدة تساهم في حل مشكلاتنا هو ما سيدفعنا للأمام، فاستخدام أساليب التكنولوجيا الحيوية هو السبيل لتوفير مستقبل مستدام وبناء كوكب أكثر سلامة. الحفاظ على البيئة واجب علينا جميعًا وأعتقد أن توفير بيئة نظيفة من المهلكات للإنسان وغيره من الكائنات هو أعظم ما يمكن تقديمه للأجيال القادمة.
المصادر
1)Joshi, S., Deshmukh, A., & Sarma, H. (2021). Biotechnology for sustainable environment. In Springer eBooks. https://doi.org/10.1007/978-981-16-1955-7
2)Ayilara, M. S., & Babalola, O. O. (2023). Bioremediation of Environmental wastes: The role of microorganisms. Frontiers in Agronomy, 5. https://doi.org/10.3389/fagro.2023.1183691
3)Zhang, Q., Jiao, Y., He, C., Ruan, R., Hu, J., Ren, J., Toniolo, S., Jiang, D., Lu, C., Li, Y., Man, Y., Zhang, H., Zhang, Z., Xia, C., Wang, Y., Jing, Y., Zhang, X., Lin, R., Li, G., . . . Tahir, N. (2024). Biological fermentation pilot-scale systems and evaluation for commercial viability towards sustainable biohydrogen production. Nature Communications, 15(1). https://doi.org/10.1038/s41467-024-48790-4
4)Joshi, K. A., Tang, J., Haddon, R., Wang, J., Chen, W., & Mulchandani, A. (2004). A disposable biosensor for organophosphorus nerve agents based on carbon nanotubes modified thick film strip electrode. Electroanalysis, 17(1), 54–58. https://doi.org/10.1002/elan.200403118



