التواصل اللغوي عند الإنسان

الكاتب : زياد محمد عبيد

هل تساءلت يومًا كيف نستطيع نحن البشر أن نتواصل لغويًا؟ تبدو الإجابة سهلة عند التفكير فيها لوهلة؛ فما علينا إلا نفكر فيما نريد قوله ثم نباشر الحديث، أليس كذلك؟ مع الأسف، الأمر ليس بتلك البساطة التي يظنها كثيرون؛ فهو عملية معقدة تتطلب تناغم العديد من أجهزة الجسم لإنتاج كلمات مفهومة وجمل متصلة ذات معنى.

وتشمل تلك الأجهزة: الجهاز العصبي (متمثلًا في الدماغ)، الجهاز الهيكلي (ويضم عضلات: الفم، اللسان، البلعوم، الحنجرة، والحجاب الحاجز)، والجهاز التنفسي (وتمثله الممرات التنفسية العلوية، ومنها: البلعوم، الحنجرة، والقصبة الهوائية). ولأن المجال لا يتسع للحديث عنها جميعًا، سنختص بالذكر الجهاز العصبي كونه المكون الرئيس في عملية إنتاج الكلام.

نبذة تاريخية

كانت فسيولوجية التواصل -شأنها شأن شتى العمليات الفسيولوجية المعقدة الأخرى- مبهمة إلى حد بعيد نظرًا لشح المعلومات المتعلقة بالجهاز العصبي ووظائفه. لكن في عام 1909، نشر «كوربينيان برودمان» (Korbinian Brodmann) -عالم التشريح وطبيب الأعصاب الألماني- خريطته الوصفية الأولى للدماغ، والتي قسَّم فيها القشرة الدماغية إلى 48 منطقة مختلفة اعتمادًا على خصائصها الحيوية.

بعد ذلك بأعوام، أُعلِن عن تحديثات في الخريطة التي أُسمِيت بـ «مناطق برودمان» (Brodmann Areas)، حيث زاد فيها عدد مناطق القشرة الدماغية إلى 52 منطقة، مما فتح الباب أمام العلماء والباحثين لبدء سبر أغوار الدماغ البشري والكشف عن وظائف هذه المناطق. ولعل من أكثرها تشويقًا تلك المرتبطة بآلية التواصل عند البشر، وهي محور حديثنا في هذه المقالة.

آلية التواصل اللغوي عند الإنسان

تتلخص آلية التواصل باستعمال اللغة في مجموعة من الخطوات على الترتيب، وهي:

1- استقبال المؤثرات الحسية المختلفة.

2- الإدراك المباشر لمسببات تلك المؤثرات.

3- معالجتها في مراكز التفكير، ثم ترتيب الأفكار المتعلقة بها والناتجة عنها.

4- تحويلها لشيفرة خاصة بكلمات وجمل معينة.

5- ترجمة تلك الشيفرة لكلمات منطوقة ذات معنى.

ولكل نقطة من النقاط السابقة تفصيل يشرح كيفية تنفيذ الدماغ لها عن طريق مناطق القشرة الدماغية المتعلقة بالتحدث وإنتاج الكلام، وهذه المناطق هي:

• المنطقتان (41-42)

وهما «المنطقتان السمعيتان الأوليتان» (Primary Auditory Areas)، وتتلخص مهمتهما فقط في استقبال الإشارات السمعية الصادرة من قوقعة الأذن عن طريق «العصب الدهليزي» (Vestibular Nerve)؛ أي أنهما تساعداننا على إدراك سماعنا للأصوات وحسب، دون القدرة على فهم المعنى الذي تحمله تلك الأصوات.

• المنطقة (17)

وتُسمَّى بـ «المنطقة البصرية الأولية» (Primary Visual Area)، وتماثل المنطقتين السمعيتين الأوليتين في الوظيفة؛ فهي تستقبل فقط الإشارات البصرية الصادرة من شبكية العين عن طريق العصب البصري؛ أي أنها تساعد على إدراك مشاهدتنا لكل ما يقع في مجال رؤيتنا، لكنها لا تعطي أي معلومات عن طبيعة ما نشاهده.

• المنطقتان (20-21)

وهما «منطقتا الارتباط السمعي» (Auditory Association Areas)، وتعملان على تحليل الإشارات السمعية المختلفة وإدراك ماهيتها (من حيث درجة الصوت، وشدته، ونوعه، وتركيبه فقط)، دون إدراك أهميتها أو المغزى منها. الأمر شبيه بسماعك لكلمة “كتاب”؛ فأنت تعرف أنك سمعت شيئًا ما، وإذا سألك أحدهم “ماذا سمعت؟”، ستجيب بكلمة “كتاب”، لكنك لن تعرف أهميته أو فيمَ يُستخدَم.

• المنطقتان (18-19)

وهما -على الترتيب- «المنطقة البصرية الثانوية» (Secondary Visual Area) و«منطقة الارتباط البصري» (Visual Association Area)، وتماثلان منطقتي الارتباط السمعي في وظيفتهما؛ فهما مسؤولتان عن تحليل الإشارات البصرية المختلفة وإدراك طبيعتها (من جهة الشكل، واللون، والحجم، والأبعاد)، دون معرفة أهمية الشيء المرئي أو إدراك فائدته. كأن يُوضَع أمامك قلم، فتجيب بأنه قلم عندما يسألك أحدهم ماذا ترى، ولكنك لن تعرف استخدامه ببساطة.

• المنطقة (22)

تُدعَى «منطقة فيرنك» (Wernicke’s Area)، وهي الأهم في عملية تحليل المعلومات السمعية والبصرية؛ فهي المسؤولة عن إدراك معاني الكلمات المسموعة واستخدامات الأشياء المرئية، كما تساهم مع الفص الجبهي (المسؤول عن التفكير والتعاطف والانفعالات) في تكوين الأفكار والردود ليتم التعبير عنها لاحقًا بكلام مفهوم. تختلف «منطقة فيرنك» -ومثلها «منطقة بروكا» (Broca’s Area) التي ستُذكَر لاحقًا- عن غيرها في كونها تقع على جانب واحد من الدماغ، وغالبًا ما يكون الجانب الأيسر عند الشخص الأيمن (من يستخدم يده اليمنى في الكتابة، تناول الطعام، … إلخ).

• المنطقتان (44-45)

يُطلَق عليهما معًا اسم «منطقة بروكا»، وظيفتهما استقبال الأفكار التي يُراد التعبير عنها من منطقة فيرنك والفص الجبهي، ثم تحويلها لإشارات عصبية منظمة تمثل شفرة دقيقة جدًا ينبني عليها إنتاج كلمات مفهومة ومرتبة في جمل ذات معنى. باختصار، يمكننا القول بأنها المنطقة المعنية بتكوين الكلام، ومن ثَمَّ تحريك العضلات المسؤولة عن إنتاجه -بشكل غير مباشر- عن طريق المنطقة 4.

• المنطقة (4)

تُسمَّى «المنطقة الحركية الأولية» (Primary Motor Area)، وتتحكم في كل عضلات الجسم -باستثناء القلب- بعد استقبال أوامر الحركة الخاصة بها من مراكز اتخاذ القرار. وكما ذُكِر سابقًا، تستقبل هذه المنطقة الإشارات العصبية المشفرة من «منطقة بروكا»، وتُحوِّلها لنبضات كهربية تمر في الأعصاب المحركة لعضلات الفم واللسان، والعضلات الإرادية للبلعوم والحنجرة.

هذه العمليات المعقدة، بدءًا من استقبال المؤثر ثم إدراكه ومعالجته بهدف التعبير عنه، تتم في أجزاء يسيرة من الثانية. والمحصلة النهائية لهذا التعاون والتناسق متناهي الدقة -بين مناطق القشرة الدماغية المذكورة آنفًا فيما بينها- هي مقدرة الفرد منا على التواصل بكلمات واضحة ومفصلة، تنتظم في جُمل تحمل مضمونًا ذا مغزى، وتعبر عن حالة قائلها وحاجته بطريقة مفهومة للآخرين.

اختلالات التواصل اللغوي: «الحبسة» (Aphasia)

ولأن الضد يُعرَف بضده؛ فلا يقدر الصحة حق قدرها إلا من أدرك المرض، وهذا ما يعرفه مرضى الحبسة تمام المعرفة؛ والتي تعني وجود اختلال في التواصل قد يؤثر في القدرة على الحديث، أو فهم الكلمات المسموعة والمكتوبة، أو كليهما معًا. وينشأ ذلك الخلل نتيجة: نزيف داخل الجمجمة، سكتة دماغية، إصابة في الرأس، ورم دماغي، أو مرض تنكسي مثل التصلب المتعدد وغيره.

وللحبسة أنواع مختلفة حسب مكان وحجم الإصابة؛ فقد يعاني البعض من فقدان القدرة على إدراك المعاني، فيما يُعرَف بـ «حبسة فيرنك» أو «الحبسة الإدراكية» (Receptive Aphasia)، وقد يجد البعض الآخر صعوبة في تكوين الكلمات التي يريد التعبير بها عن مكنون نفسه، ويُعرَف ذلك بـ «حبسة بروكا» أو «الحبسة التعبيرية» (Expressive Aphasia)، بينما يمكن للنوعين السابقين أن يجتمعا على مريض واحد في حالة «الحبسة الشاملة» (Global Aphasia).

خاتمة

استهللنا مقالتنا بمقدمة تاريخية بسيطة عن «مناطق برودمان» التي عُدَّت أول خريطة تشريحية وصفية للدماغ، ثم استعرضنا فيها آلية التواصل اللغوي عند الإنسان بشيء من التفصيل، واختتمناها بحديث مقتضب عن الحبسة -كأحد الأمثلة على اختلالات التواصل العصبية- ذكرنا فيه تعريفها وأسبابها وأشهر أنواعها. وإلى هنا، ينتهي حديثنا عن آلية التواصل عند الإنسان، نأمل أنه كان ذا فائدة، وأنه قد أجاب عن السؤال المُلِح المُثار في البداية.

مصادر

https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC6202576/

https://radiopaedia.org/articles/brodmann-areas

https://www.simplypsychology.org/brodmann-areas.html

https://study.com/academy/lesson/the-physiology-of-human-langua
ge-speech-the-brain-nervous-system.html

https://www.healthline.com/symptom/aphasia

https://www.mayoclinic.org/diseases-conditions/aphasia/symptoms
-causes/syc-20369518

اظهر المزيد

زياد محمد

طبيب متدرب، ومراجع لغوي، وكاتب مبتدئ. تخرجت في كلية الطب عام 2022، وقد دخلت عالم اللغة ومجال المراجعة والتدقيق منذ مدة تربو على 3 سنوات. أحب القراءة عمومًا والتاريخ خصوصًا، وأهوى الكتابة في العلوم والآداب والإنسانيات، في محاولة متواضعة لإثراء المحتوى الثقافي العربي، وعلى أمل ترك أثر ينفع الناس ويطول، قبل أن نزوى، وبعد أن نزول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى