
كيف تؤثر الأمعاء على صحة الدماغ؟
الكاتب:عبدالله علي
“تبدأ جميع الأمراض في الأمعاء”، هكذا يخبرنا الطبيب اليوناني البارز «أبقراط» منذ القرن الرابع قبل الميلاد، وكأنه قد وافق الصواب في حقيقة وجود اتصال أو ممر خفي تؤثر من خلاله أمعاء الإنسان على أعضاء الجسم المختلفة كالدماغ، ولم يظهر إلى النور إلا كأحد أهم اكتشافات الطب والعلم الحديث فيما يعرف بـ «محور ميكروبيوتا الأمعاء والدماغ» (Gut Microbiota-Brain Axis).
ميكروبيوتا الأمعاء: ما هي؟
لطالما كانت نظرة المجتمع الطبي نحو الجهاز الهضمي حتى القرن المنصرم لا تتعدى أوعية وأنابيب ملتوية من العضلات الملساء، والتي يقتصر دورها على حدوث بعض الانقباضات وإفراز العصارات وبعض الإنزيمات اللازمة لعملية الهضم والتي ينظمها الجهاز العصبي وما يفرزه من مركبات كيميائية تسمى النواقل العصبية، و في ظل هذا التصور، كان من المتعارف عليه أن بيئة القناة الهضمية لا تخلو من الكائنات الدقيقة، بل تضم شتى أنواع الميكروبات البكتيرية والفطرية في «علاقة تكافلية» (Symbiosis) مع الكائن المضيف، وهو نوع من العلاقات الحيوية تتضمن تبادل الكائنات المنفعة المشتركة فيما بينها أو أن ينتفع أحد الأطراف مع إلحاق الضرر بالطرف الآخر وهو ما يعرف بـ «التطفل». وفي البشر الأصحاء تتواجد مجموعة ضخمة من المجتمعات الميكروبية بصورة طبيعية تخضع لسيطرة الجهاز المناعي في أماكن عدة أهمها الأمعاء، لتشكل ما يطلق عليه «الحيوات الدقيقة» أو «الميكروبيوتا» (Microbiota)، وهذه الميكروبات تتبادل المنفعة مع الإنسان ولا تسبب له الأمراض في معظم الأحوال الطبيعية، بل غياب أحدها قد يضر بالتوازن الحيوي داخل الجسم ويسمح بتكاثر سلالات ميكروبية أخرى قادرة على إحداث العدوى والأمراض، ولكن هذا الاضطراب في التوازن الحيوي والميكروبي لا يعد واحدًا من التأثيرات المباشرة لـ «الميكروبيوتا المعوية» على جسم الإنسان، ولذلك اشتركت معظم الجهود البحثية حديثًا في محاولة التحقق من قدرة هذا النظام الميكروبي الطبيعي على التأثير بصورة مستقلة على أعضاء وأجهزة الجسم المختلفة بما فيها الدماغ والجهاز العصبي.
الطريق من الأمعاء إلى الدماغ
برز مصطلح «محور ميكروبيوتا الأمعاء والدماغ» في البداية كأكثر الحقائق المحيرة مقارنة بالتأثيرات الأخرى لـ «الميكروبيوتا» على باقي أعضاء الجسم، ويعزى ذلك إلى صعوبة اختراق الدماغ بالنسبة لمعظم الميكروبات، فالدماغ يتميز بوجود حاجز منيع وشديد الانتقائية يطلق عليه «الحاجز الدموي الدماغي» (Blood-Brain Barrier)، ويتكون هذا الحاجز من التقاء الخلايا العصبية في الدماغ من جهة مع جدران الأوعية الدموية التي تغذي تلك الخلايا من جهة أخرى، وبذلك يتم منع أيضًا معظم الملوثات والمواد الكيميائية السامة وحتى خلايا المناعة النشطة في مجرى الدم من دخول الدماغ، ومن هنا حاول العلماء من خلال الدراسات على فئران التجارب معرفة الآلية التي تتواصل بها ميكروبات الأمعاء مع الدماغ، ومن أهم تلك الآليات التي توصلوا إليها هي قدرتها على التواصل عن طريق الأعصاب المغذية للجهاز الهضمي والمتفرعة من «العصب الحائر» (Vagus Nerve) وهو أحد الأعصاب الرئيسة الممتدة من الدماغ مباشرة. ومما يشير إلى مدى تورط العصب الحائر في هذا التفاعل الميكروبي مع الدماغ هو ما أظهرته إحدى الدراسات في الفئران من قدرة أحد أنواع «البكتيريا العصوية اللبنية» أو «اللاكتوباسيلاس» (Lactobacillus) على تقليل السلوكيات المرتبطة بالقلق، وبعد قطع بعض الأعصاب المتفرعة من العصب الحائر جراحيًا في هذه الفئران توقفت جميع التغيرات السلوكية والدماغية التي أحدثتها تلك البكتيريا، ومن الجدير بالذكر أن هذه التفاعلات الميكروبية مع الأعصاب تتم من خلال إفراز هذه الميكروبات مركبات كيميائية شبيهة بتلك النواقل العصبية الموجودة في الدماغ أو بعض النواتج الأيضية الأخرى القادرة على تحفيز العصب الحائر.
ميكروبيوتا الأمعاء والأمراض النفسية والعصبية
تتخذ المجتمعات الميكروبية في الأمعاء أنماطًا متباينة ومعقدة في علاقتها بالأمراض العصبية والاضطرابات النفسية، حيث شكلت «الميكروبيوتا» المعوية في كثير من الأبحاث حجر الأساس في حدوث الأمراض العصبية أو تفاقم حالتها كالشلل الرعاش وداء ألزايمر والتصلب المتعدد، ففي إحدى التجارب قام الباحثون بسحب عينات من «الميكروبيوتا» المعوية من بعض المرضى المصابين بالشلل الرعاش وزرعها في أحد الفئران المصابة بالمرض ولاحظوا تفاقم الأعراض الحركية لديها مقارنة بالعينات المأخوذة من أشخاص أصحاء. على النقيض نجد أن التنوع في «الميكروبيوتا» المعوية وكثرتها يتناسب عكسيًا مع شدة الأعراض المصاحبة للأمراض النفسية كالقلق واضطراب طيف التوحد، وهو ما يتضح من زيادة انعزالية مجموعة من الفئران المولودة حديثًا بعد التخلص من «الميكروبيوتا» المعوية باستخدام المضادات الحيوية أثناء الحمل، وقد يصاحب أحد الاضطرابات نمطٌ أكثر تعقيدًا من الزيادة في أحد الأنواع ونقص في أنواع أخرى من البكتيريا، وهو ما أثبته العلماء في البشر المصابين بالاكتئاب مقارنة بغيرهم من الأصحاء، حيث لوحظ لديهم تناقص أعداد «بكتيريا العصوانيات» (Bacteroides) و«متينات الجدار» (Firmicutes) مقابل الزيادة في «المتقلبات» (Proteobacteria) و«الاستبس» (Alistipes).
أهداف علاجية محتملة
في الوقت الراهن تقوم الأبحاث والتجارب السريرية الخاصة باستهداف أو تعديل المحتوى الميكروبي للأمعاء بغرض علاج الأمراض النفسية والعصبية بالاعتماد على مجموعة من الاستراتيجيات العلاجية ومنها:
1. «المعززات الحيوية» أو «البروبيوتيكس» (Probiotics): وهي الميكروبات الحية النافعة والتي تتواجد في بعض الأطعمة أو المستحضرات الدوائية، ويحاول الباحثون دراسة العلاقة بين تناولها وعلاج بعض الأمراض النفسية.
2. «البريبيوتيكس» (Prebiotics): وهي المواد الغذائية التي تعمل على تعزيز نمو البكتيريا النافعة في الأمعاء مثل الألياف غير القابلة للهضم.
3. زراعة «الميكروبيوتا» من عينات البراز (Fecal Microbiota Transplantation): وتتضمن زرع عينات ميكروبية سليمة مستخلصة من براز أحد المتبرعين الأصحاء.
المصادر
https://www.pnas.org/doi/full/10.1073/pnas.1102999108
https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC6584952/
https://www.frontiersin.org/articles/10.3389/fnagi.2016.00256/full
https://clinicaltrials.gov/ct2/show/NCT03835468



