تحقيق النقل الكمي لأول مرة عبر ألياف اتصالات كلاسيكية

في الوقت الذي تتسابق فيه دول العالم لتطوير شبكات الاتصالات الكمّية، يكمن أحد التحديات في ارتفاع تكلفة تخصيص ألياف ضوئية لها، مما دفع إلى التفكير في دمجها مع شبكات الاتصالات التقليدية (الكلاسيكية) التي تشغل معظم شبكات الألياف الضوئية في العالم. غير أن إشارات الاتصالات الكلاسيكية -الأقوى بكثير من الإشارات الكمية- تتسبب في التشويش على الإشارات الكمية المارّة في الألياف ذاتها، حيث تتولد «فوتونات غير مرغوب فيها/ الشوشرة» (Noise Photons) نتيجة تشتت فوتونات الإشارات الكلاسيكية القوية، مما يجعل من الصعب تمييز الإشارات الكمية الضعيفة. وقد انصبّت معظم التجارب حتى الآن على الاتصالات القائمة على نقل الجسيمات التي تستخدم حالتها الكمية لتشفير المعلومات المراد تبادلها بين الأطراف، إلا أن التطبيقات المتقدمة لتكنولوجيا الكم تتطلب الاعتماد على نقل الحالة الكمية للجسيمات دون الحاجة إلى نقل الجسيمات ذاتها، وهو ما يُعرف بـ «النقل الكمي» (Quantum Teleportation) الذي يعتمد على مبدأ «التشابك الكمي» (Quantum Entanglement). وقد أحرز الباحثون في الأعوام الأخيرة تقدمًا في النقل الكمي باستخدام ألياف مخصصة للإشارات الكمية، بينما ظلت إمكانية تنفيذ النقل الكمي عبر ألياف تحمل إشارات كلاسيكية سؤالًا مطروحًا.

هل تتعايش الإشارات الكمية والكلاسيكية معًا في الألياف ذاتها؟

للإجابة على هذا السؤال، نفّذ فريق من «جامعة نورثويسترن» (Northwestern University) نقلًا كميًا عبر ألياف ضوئية يبلغ طولها 30.2 كم وتحمل إشارات كلاسيكية قوية تنتقل بمعدل 400 جيجابت في الثانية.

تضمن بروتوكول النقل الخطوات التالية:

  • يصدر الطرف المرسل فوتونًا بالحالة الكمّية الأصلية المراد نقلها للمستلم.
  • يولّد المستلم زوجًا من «الفوتونات المتشابكة/ أزواج بيل[i]» (Bell Pair) ويرسل واحدًا منهما.
  • يلتقي الفوتونان عند نقطة في منتصف الألياف تُجرى فيها عملية قياس «حالة التشابك/ حالة بيل» (Bell State Measurement) على الفوتونين، ويترتب عليها انتقال الحالة الكمية الأصلية إلى الفوتون الآخر لدى المستلم، فتنتقل بذلك الحالة دون نقل الفوتون ذاته من المرسل إلى المستلم.

إلا أن التحدي الأهم تمثل في حماية الفوتونات في تلك العملية من التأثر بالإشارات الكلاسيكية.

تعديد الأطوال الموجية وتقسيمها والمرشحات الطيفية والزمنية

Image credit: thefoa.org

اعتمد الفريق على عزل الإشارات الكمية عن الإشارات الكلاسيكية داخل الألياف بتقنية «تعديد الأطوال الموجية وتقسيمها» (Wavelength Division Multiplexing, WDM) للحفاظ على فوتونات الإشارات الكمية عند طولٍ موجيّ يبلغ 1290 نانومتر، وهو ما يقع في النطاق O البعيد عن النطاق C المستخدم للإشارات الكلاسيكية، والذي يتراوح الطول الموجي فيه بين 1530 – 1565 نانومتر، ويحول هذا الاختلاف في الطول الموجي دون تداخل الفوتونات المرسلة معًا. كما استخدم الفريق مرشحات طيفية وزمنية عند أجهزة استقبال الإشارات الكمية للحد من استقبال الفوتونات غير المرغوب فيها الناتجة عن تشتت فوتونات الإشارات الكلاسيكية والتي لا تترابط مع الإشارات الكمّية المراد رصدها، كما استخدموا عند إصدار الإشارات تقنية «التحويل التنازلي البارامتري التلقائي» (Spontaneous Parametric Down-Conversion, SPDC) لتوليد أزواج من الفوتونات شديدة الترابط مما يُساعد في استبعاد الفوتونات غير المرغوب فيها بتقنية  «كشف التزامن» (Coincidence Detection) التي يمكن من خلالها التحقق مما إذا كانت الفوتونات قد تولّدت عن الحدث الكمّي ذاته أو أنها فوتونات عشوائية أخرى.

نجاح النقل الكمي عبر ألياف اتصالات كلاسيكية للمرة الأولى

تمت عملية النقل الكمّي على طول الألياف البالغة 30.2 كم التي تمر عبرها إشارات كلاسيكية بقوة إطلاق قدرها 74 ميللي وات -وهي قوة كافية لدعم العديد من قنوات الاتصالات الكلاسيكية بسرعات تصل إلى تيرابت لكل ثانية-، وبلغت دقة النقل الكمّي (Fidelity) للحالات القائمة على «الاستقطاب الخطي للضوء» (Vertical/Horizontal Polarization) نحو 97%، بينما بلغت الحالات القائمة على «الاستقطاب المائل» (Diagonal/Anti-diagonal Polarization) حوالي 85-87%، وهي نسب تفوق الحد النظري الممكن تحقيقه بالطرق الكلاسيكية غير الكمّية، والذي يبلغ 67% تقريبًا.

ماذا عن المستقبل؟

يفتح هذا الإنجاز المجال للاتصال الكمّي لمئات الكيلومترات، ودمج تطبيقات كمية متقدمة في ألياف الاتصالات الكلاسيكية، مثل «تبادل التشابك» (Entanglement Swapping) و«المكررات الكمية» (Quantum Repeaters) والمعالجات المركزية، التي يُعد قياس حالة التشابك في منتصف المسار عنصرًا فيها. ويرى الباحثون أهمية مواصلة البحث في التقنيات الحديثة لحماية الدقة من التشويش الكلاسيكي، كما يطرحون تساؤلًا عمّا إذا كان للنقل الكمّي مزايا خاصة في الشبكات الكمية الكلاسيكية مقارنةً بالنقل المباشر للجسيمات، الأمر الذي يعتمد على عدة عوامل سيتناولونها بالبحث مستقبلًا.

المصادر:

البحث موضوع المقال:

https://opg.optica.org/optica/fulltext.cfm?uri=optica-11-12-1700&id=565936


[i] نسبةً إلى الفيزيائي «جون ستيوارت بيل» (John Stewart Bell)، صاحب «مبرهنة بيل» (Bell’s theorem)، التي توضح أن بعض الترابطات بين الجسيمات لا يمكن تفسيرها باستخدام الفيزياء الكلاسيكية، وهو ما يتفق مع تنبؤات ميكانيكا الكم التي أكّدتها التجارب لاحقًا، وقد مُنحت جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2022 لهذه الجهود.

اظهر المزيد

جهاد الديباني

تخرّجت في كلية الحقوق ثم تخرجت في كلية العلوم الفيزيائية وأتابع الآن دراساتي العليا في مجال تكنولوجيا الكم -الاتصالات الكميّة على وجه التحديد-. مهتمة بالفيزياء والرياضيات والكتابة والأدب، ومتطوعة في مؤسسة علماء مصر منذ 2014.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى