هل نُشعل الحروب لنخسر الأرض مرتين؟

تغير الحروب من شكل العالم، على النطاقين المحلي -حيث يقع الصراع- والعالمي. يمتد هذا التغير ليطال كل شيء من علاقات دولية وآثار نفسية للمدنيين داخل نطاق الحرب وخارجها، ولا يُستثنى من ذلك المناخ وما يطرأ عليه من تغيرات بيئية قد تكون غير قابلة للإصلاح.

تشير المصادر إلى زيادة عدد الحروب والنزاعات المسلحة في العالم خلال الخمس سنوات الماضية، (1) ولهذه الزيادة عبء بيئي، كما أن لها عبئًا نفسيًا وبشريًا خطيرَين. الآن، وفي عام 2025، يشهد العالم ما يزيد عن 110 حروب مسلحة وفقًا لما تعترف المؤسسات الدولية بتسميته حربًا. (2)

 يموت جراء هذه الحروب ما يقارب 526.000 إنسان سنويًا بين عناصر عسكرية ومدنيين.(3) تبدو الخسارة البشرية جراء الحروب من أعظم الخسائر وأوضحها وأبعدها قدرة على التعويض. ومع ذلك لا يجب علينا حصر الخسائر في العنصر البشري فحسب، فأثر آلة الحرب يطال كل ما حولها بشريًا كان أم لم يكن، ومن المهم التحدث عنتلك الخسائر الأخرى الصامتة -ولكن الكارثية- لرؤية الصورة الكاملة.

تشير المصادر إلى زيادة عدد الحروب في السنين الأخيرة(1)

تؤثر الحروب على المناخ كما يؤثر المناخ على الحروب:

سنرى معًا في الفقرات التالية كيف تؤثر الحروب على المناخ تأثيرًا بالغ الضرر، لكن كما أن هذه حالة قائمة فالعكس كذلك صحيح؛ فالتغير المناخي يؤثر بدوره على الحروب في علاقة طردية متبادلة يصعب الفكاك منها، وذلك بعدة أشكال:

أولًا: لا يخفى تأثير التغير المناخي على الموارد الطبيعية غير المتجددة تأثيرًا يزيدها ندرة فوق ندرتها، ولا يخفى كذلك أن معظم الحروب قامت لرغبة بعض الدول في الحصول على أراضٍ أو على موارد دول أخرى.

تتصارع الدول على الحصول على الموارد غير المتجددة مما يؤدي لنشأة الحروب. (2)

وبالتالي طالما يستمر نقص الموارد بسبب التغير المناخي، تزداد تباعًا وتيرة وقسوة الحروب، وقد قدرت دراسة النسبة التي يشارك بها التغير المناخي في تكون الحروب من 2 إلى 30% مع احتمالية زيادة تلك النسبة. (4)

ثانيًا: يساهم ارتفاع درجة الحرارة بدرجة كبيرة في تشكل الصراعات المسلحة حول العالم، (5) تشير الدراسات (6) أنه لكل زيادة في درجة الحرارة درجة مئوية واحدة، فإن الصراعات الجماعية تزداد بنسبة 11.3% وذلك بسبب التأثير السلبي لارتفاع درجة الحرارة على القدرة الإنتاجية الزراعية وبالتالي على الحالة الاقتصادية ككل. كما أن بعض الدراسات قد أثبتت ارتباطًا سيكولوجيًا بين ارتفاع درجات الحرارة وزيادة العدائية والتوتر بشكل عام. (7).

ثالثًا: الهجرة بسبب التغير المناخي والكوارث البيئية. يمكن أن يؤدي تكدس البشر في المجتمعات الضيقة مع ندرة الموارد إلى نشوب الصراع بينهم.

أما عن إسهام الحروب في التغير المناخي فهو إسهام زاخر، يمكن تقسيم الآثار المدمرة للحروب على البيئة إلى آثار مباشرة وأخرى غير مباشرة، ولا نناقش في هذا المقال بالضرورة الآثار المدمرة للبيئة الناتجة عن العمل الحربي ككل في وقتَي الحرب والسلم، وإنما نُعنى بوقت الحروب فحسب، وهذا لا يعني قلة أو انعدام الأثر البيئي وقت السلم، بل إن العمليات العسكرية وقت السلم من تدريبات عسكرية وتصنيع للأسلحة قد تفوق ما ينتج عن الحرب المشتعلة من تدمير للمناخ وللبيئة بما قد لا يتسع المقال له.

الآثار المباشرة:

تتمثل في النتائج اللحظية والمباشرة لاستخدام الأسلحة والمتفجرات وقوى التدمير الهائلة خلال فترات الحروب.

1- الانبعاثات الناتجة عن استخدام المتفجرات والمعدات الحربية:

أفادت دراسة أجراها مرصد الصراع والبيئة أن مجموع الانبعاثات للغازات الدفيئة الناتجة عن الأعمال الحربية في العالم قد تصل إلى 5.5% من نسبة الانبعاثات العالمية على أقل تقدير. وأنه لا يوجد مصادر واضحة تفيد عن النسب الحقيقية للإسهامات، نظرًا لأن كثير من الحكومات لا تعلن عن مقدار الطاقة والانبعاثات الناتجة عن قطاعاتها العسكرية، أو أنها تعطي بيانات مبهمة وناقصة. لهذا فيمكن الافتراض أن الرقم الفعلي أعلى من الرقم المعلن، كما أن هذا الرقم يتم حسابه من النفقات السنوية في الأوضاع العادية وليس في أوضاع الحرب بالضرورة، التي ستؤدي بكل تأكيد لتضاعف هذا الرقم. (8)

ومع أنه يصعب قياس الانبعاثات الناتجة عن الحروب خلال الحرب القائمة بالفعل، قامت بعض الدراسات بمحاولات القياس على حروب في واقعنا الحالي:

ففي غزة، تم تقدير الانبعاثات الناتجة عن الحرب الدموية التي تشنها دولة الاحتلال بمقدار 652,552 طنًا من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، أي ما يعادل الانبعاثات الناتجة عن 26 دولة مجتمعة وذلك خلال الـ 120 يومًا الأولى من الحرب فقط. رغم أن القوات الإسرائيلية لم تصرح قط عن الانبعاثات من جانبها، تتم تلك الأبحاث عن طريق البيانات المتاحة للعامة والتقارير وصور الأقمار الصناعية وخلافه؛ ما يقترح أن الرقم الحقيقي قد يكون أعلى من هذا بكثير. (9)

ينتج عن استخدام الأسلحة والمتفجرات انبعاثات ضارة للبيئة.(3)

وفي الحرب الروسية-الأوكرانية، أشارت دراسة في مجلة (Science of The Total Environment) إلى أن الانبعاثات من غازات، مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز التي قُدرت خلال الـ 18 شهرًا الأولى في الحرب وصلت لما يعادل 77 مليون طن، (10) أي ما يساوي الناتج السنوي لدولتي سويسرا والبرتغال مجتمعتين. (11)

وقد تكون تلك الانبعاثات نتيجة لأعمال إحراق أو تخريب متعمد لمنشآت الوقود الأحفوري، الذي هو سبب لكثير من صراعات العالم. ففي أحداث حرب الخليج، قامت القوات العراقية بإحراق آبار النفط في دولة الكويت مما تسبب في حريق كبير استمرت محاولات إخماده ما يقارب العام الكامل. أسفر هذا الحريق عن انبعاثات شديدة من الملوثات الجوية. فكانت نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون المنبعث في الحريق تساوي 2% من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون لهذا العام مجتمعة. وكان انبعاث غاز ثاني أكسيد الكبريت يساوي 57% من غاز ثاني أكسيد الكبريت الناتج من جميع الاستهلاك الكهربي في الولايات المتحدة ذلك العام. (12)

2- تدمير الغطاء النباتي والعبث بالنظم البيئية:

لا تفرق الحروب بين طبيعة المساحات التي تتعرض للتدمير، ولا بين الكائنات المعذبة تباعًا. فيمكن أن يكونوا البشر وبيوتهم كما يمكن أن تكون الحيوانات ومأواها.

يتم تدمير الغابات والمساحات الخضراء خلال الحروب لعدة أسباب، منها كشف مواقع العدو أو توفير المساحات المفتوحة لتكون ساحة معركة، وحتى القذائف التي تصل لتلك المناطق فقط كعرض جانبي لأنه حدث أن كانت ضمن نطاق التدمير.

وإلى جانب الانبعاثات الكربونية الضارة الناتجة عن إحراق الغابات بشكل مباشر، نجد أن تدمير تلك المساحات الخضراء، التي تعمل بطبيعة الحال على امتصاص ثاني أكسيد الكربون من الهواء في عملية البناء الضوئي، يؤدي إلى تراكم الغاز، ثم يؤدي تدمير النبات إلى إطلاق الغاز المحبوس داخلها إلى الغلاف الجوي. كما أن فقدان الغابات والغطاء النباتي يغير في طبيعة النظام البيئي كثيرًا. حيث تضطر الحيوانات الساكنة لتلك الأماكن إلى الهجرة لأماكن أخرى قد تكون غير مناسبة لدورة حياتها، وبالتالي تتأثر أعداد تلك الكائنات ويظهر خطر الانقراض.

خلال الحرب الأوكرانية-الروسية، تم تدمير 1600 كيلومتر مربع من الغابات في أوكرانيا، (13) ما يقدر بحجم مدينة نيويورك مرتين. وظهر بوضوح الخطر المباشر على الكائنات حيث إن أوكرانيا وحدها تضم 35% من النوع البيولوجي في أوروبا بأسرها، ونتيجة للحرب تعرض نحو 600 نوع من الحيوانات و750 نوعًا من النباتات، التي كانت مهددة بالأساس لخطر الانقراض، لمخاطر أكبر وتهديدات أصعب. (14) وقد وُجدت بالفعل أعداد من الدلافين نافقة، ليس فقط في أوكرانيا، ولكن على سواحل تركيا وبلغاريا كذلك. (15)

الضرر االبيئي الناتج عن الحرب الأوكرانية الروسية أصبح من الصعب تجاهله.(4)

الآثار غير المباشرة:

إلى جانب الآثار الفورية نتيجة قوى التدمير المستخدمة في الحروب سالفة الذكر، هناك أشكال أخرى ممتدة للضرر البيئي تكون الحروب مساهمًا وفاعلًا أساسيًا فيها إذا ما تتبعنا أصول المشكلة.

نرى هنا بعض الأمثلة لتلك الآثار غير المباشرة على التغير المناخي نتيجة للحروب، ومنها:

1- إعادة الإعمار وتكلفته

بعد انتهاء الحروب، تأتي مرحلة إعادة البناء والإعمار، التي لا تقل، في استهلاكها للطاقة والآثار البيئية المدمرة الناتجة عنها، عن مرحلة الحرب ذاتها بل قد تتجاوزها في معظم الحالات.

في غزة مثلًا، قدرت دراسة أن عملية البناء اللازمة لإعادة إعمار ما يقارب 200,000 مبنى هُدم خلال الـ 120 يومًا الأولى من الحرب التي تشنها دولة الاحتلال، ستحتاج من مواد البناء ومن الطاقة المستهلكة ما سينتج عنه 60 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وهو ما يزيد عن الانبعاثات الصادرة عن 135 دولة مجتمعة! (9)

حجم الدمار في غزة خلال أيام فقط من بداية عدوان الجيش الإسرائيلي.(5)
Photograph: Mahmud Hams/AFP/Getty Images

2- التأثير على التربة:

نتيجة لاستخدام القنابل والمتفجرات، تترسب في التربة مواد ضارة مثل الرصاص والزئبق والكادميوم والزرنيخ. تترك تلك العناصر الثقيلة أثرًا سامًا في التربة قد يمتد لسنين ويؤثر على المحاصيل الزراعية التي قد تنتج عن تلك التربة، وبذلك تدخل تلك العناصر إلى سلسلة الغذاء وتؤثر تباعًا على كل الكائنات الحية، (16) إلى جانب أنه يؤثر على إنتاجها للمحاصيل نفسه، وتترك المتفجرات من أنواع (TNT) و (TNB) بقايا في التربة لا تتحلل بسهولة وتظل آثارها ممتدة لسنين، وتكون المواد الناتجة عنها مسرطنة للتربة وللإنسان. في هذه الدراسة (17) تم أخذ عينات التربة في بعض الأماكن في أوكرانيا التي تعرضت للقصف والتدمير، ليجد العلماء جميع نسب المواد السامة والعناصر الضارة والمعادن الثقيلة أعلى من النسب المقبولة.

3- العبء البيئي للجوء:

تضطر الحرب البشر للفرار بأرواحهم من مكان القتال إلى مكان أبعد وأكثر أمنًا، حسب تعداد مفوضية اللاجئين (18) فإن عدد الذين اضطروا للفرار من بلادهم يصل لأكثر من 120 مليون إنسان حول العالم أجمع. تختلف أسباب اللجوء لكن ظروف المعيشة للاجئين تتشابه فيما بينها، وغالبًا ما يتكدس اللاجئون معًا في مكان واحد. يزيد هذا من العبء البيئي في مخيم اللجوء لأسباب كثيرة، منها: زيادة المخلفات نتيجة تكدس البشر ثم التخلص منها بطرق غير سليمة، الاضطرار لقطع الأشجار أو تجريف الأراضي التي نزحوا إليها لتناسب معيشتهم، زيادة الاستهلاك لكل المنتجات والسلع والمحروقات التي سيشهدها مكان اللجوء مما يزيد البصمة الكربونية بشكل عام لهذا المكان. (19)

الخاتمة:

تقبع مشكلة تأثر المناخ بالحروب في كون تلك التأثيرات ليست فقط لحظية، بل غالبًا ما تمتد لعشرات إن لم يكن لمئات السنين. وهي بطبيعة المناخ والنظام البيئي وترابطه، لا تؤثر على الإنسان فحسب، لكن تأثيرها يمتد لجميع الكائنات الحية كذلك، التي لم تختر ولم تشارك في تلك الحروب.

ورغم ذلك نجد الحكومات التي تجتمع لتجد حلولًا لمشكلة المناخ هي نفسها التي تلتفت للجانب الآخر لتعطي التمويلات لهيئاتها العسكرية للمُضي فيما هم فيه. ونادرًا ما يتم التطرق للدور الذي تلعبه الحروب والقطاعات العسكرية في مشكلة المناخ، بل يتم التجاهل التام والمتعمد لهذا القطاع تحديدًا والتمعن في بعض القطاعات والأسباب الأخرى التي يمكن أن تكون أقل مساهمة بكثير في مشكلة التلوث البيئي. (20)

المصادر:

1-https://acleddata.com/conflict-index/#:~:text=Civilian%20exposure%20to%20violence%2C%20conflict,%2Don%2Dyear%20since%202020

2- https://geneva-academy.ch/galleries/today-s-armed-conflicts

3- https://databank.worldbank.org/metadataglossary/world-development-indicators/series/VC.BTL.DETH#:~:text=All%20deaths%20%2D%20civilian%20as%20well,counted%20as%20battle%2Drelated%20deaths.&text=According%20to%20the%20Geneva%20Declaration,%2D%20and%20small%2Dscale%20criminality

4- https://news.stanford.edu/stories/2019/06/climate-change-cause-armed-conflict

5- https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0305750X19302700

6- https://www.theigc.org/blogs/climate-priorities-developing-countries/does-climate-change-cause-conflict

7- https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC10303254/#:~:text=Heat%20stress%20may%20increase%20irritability,are%20more%20opportunities%20for%20assaults

8- https://ceobs.org/estimating-the-militarys-global-greenhouse-gas-emissions/

9- https://www.qmul.ac.uk/sbm/media/sbm/documents/Gaza_Carbon_Emissions.pdf

10- https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0048969724000135#ab0005

11- https://www.worldometers.info/co2-emissions/co2-emissions-by-country/

12- https://www.science.org/doi/10.1126/science.256.5059.987

13- https://e360.yale.edu/digest/ukraine-war-forest-loss 

14- https://euneighbourseast.eu/young-european-ambassadors/blog/biodiversity-under-siege-the-environmental-cost-of-russian-war-in-ukraine/

15- https://www.bbc.com/future/article/20221222-how-the-war-in-ukraine-is-killing-marine-mammals

16- https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0012825213001414

17- https://www.mdpi.com/2073-445X/13/10/1614#:~:text=It%20has%20been%20established%20that,TNT)%2C%201%2C3%2C

18- https://www.unrefugees.org/refugee-facts/statistics/#:~:text=Global%20Trends%20At%2Da%2DGlance&text=43.4%20million%20refugees,protection%2C%20a%20majority%20from%20Venezuela .

19- https://ceobs.org/how-does-war-damage-the-environment/#:~:text=Human%20displacement%20is,their%20basic%20needs.

20- https://www.forbes.com/sites/nilsrokke/2024/12/09/cop29-lessons-learned-from-the-un-climate-change-conference/

مصادر الصور المرفقة:

1- https://acleddata.com/conflict-index/#:~:text=Civilian%20exposure%20to%20violence%2C%20conflict,%2Don%2Dyear%20since%202020

2- https://www.newsecuritybeat.org/2013/11/linking-oil-war-review-petro-aggression/

3- https://www.theguardian.com/world/2024/jan/09/emissions-gaza-israel-hamas-war-climate-change

4- https://maps.greenpeace.org/maps/gpcee/ukraine_damage_2022/

5- https://www.bbc.com/news/world-middle-east-67241290

اظهر المزيد

شروق عبد الحكيم

شروق عبد الحكيم. كاتبة محتوى علمي. تخرّجت في كلية طب الأسنان عام 2022. تهتم بالعلوم والفلك بصفة خاصة وبتبسيطهما لغير المتخصصين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى